مرحبًا بك في مدونة أبو نورة

أشتاق إلى الكتابة هنا... سبعة عشر عامًا من الحكايات والذكريات

✍️ Teacher_Faisal 📅 💬 0 تعليقات

 



لا أدري على وجه الدقة ما الذي دفعني اليوم إلى العودة إلى مدونتي، ربما هو الحنين إلى أيام مضت، أو شوقي إلى الكتابة التي طال انقطاعي عنها، أو ربما لأنني شعرت فجأة بأن هناك جزءًا مني ما زال ينتظرني هنا، بين هذه الصفحات التي احتفظت بشيء من أفكاري، ومواقفي، واهتماماتي، وذكرياتي على مدى أكثر من سبعة عشر عامًا.

نعم، أكثر من سبعة عشر عامًا منذ بدأت أولى خطواتي في التدوين عام 2009. حينها كانت الكتابة في المدونات تجربة مختلفة، وكانت المدونات العربية نافذة مهمة لتبادل المعرفة والأفكار، ومساحة يجد فيها الكاتب صوته بعيدًا عن صخب المنصات وسرعة التفاعل التي نعرفها اليوم. كنا نكتب لأن لدينا ما نقوله، ولأن فكرة ما تستحق أن تُكتب، أو موقفًا مررنا به يستحق أن نتوقف عنده، أو قضية تشغلنا ونرغب في أن نتشارك التفكير فيها مع الآخرين.

لم تكن الكتابة يومها تحتاج إلى كثير من التكلف، ولا إلى حسابات معقدة حول العنوان الذي سيجذب القارئ، أو الصورة التي ستلفت انتباهه، أو العبارة التي ستجلب أكبر عدد من التفاعلات. كنا نجلس لنكتب ببساطة، نضع أفكارنا كما نشعر بها، ونحاول أن نعبر عن أنفسنا بلغتنا التي تشبهنا. وربما كانت تلك البساطة هي أجمل ما في الأمر؛ أن تكتب لأنك تريد الكتابة، لا لأنك مطالب بأن تنشر شيئًا كل يوم.

هنا مرّت سنوات من حياتي

حين أتأمل مدونة «أبو نورة» اليوم، لا أراها مجرد مجموعة من المقالات والتدوينات القديمة. أراها جزءًا من رحلتي، وذاكرة صغيرة لسنوات طويلة عشت فيها تجارب مختلفة، وتغيرت خلالها أشياء كثيرة في حياتي وفي العالم من حولي.

كتبت عن التعليم، وعن الرياضيات التي ارتبط بها عملي واهتماماتي، وعن قضايا تربوية كنت أراها جديرة بالنقاش، وعن أحداث ومواقف اجتماعية استوقفتني، وعن أشخاص وأفكار وموضوعات مرّت بي وتركت أثرًا في نفسي. بعض ما كتبته كان محاولة للفهم، وبعضه كان مشاركة لمعرفة أو تجربة، وبعضه الآخر لم يتجاوز كونه خاطرة أو رأيًا أردت أن أترك له مكانًا على هذه الصفحات.

واليوم، عندما أعود إلى بعض تلك التدوينات، أشعر أنني لا أقرأ نصوصًا كتبتها فحسب؛ بل أستعيد شيئًا من نفسي في ذلك الوقت. أستعيد طريقة تفكيري، واهتماماتي، والأسئلة التي كانت تشغلني، وحتى البساطة التي كنت أتناول بها بعض القضايا. أجد أفكارًا ربما تغيرت نظرتي إليها، وأخرى ما زلت أؤمن بها، وثالثة تذكرني بأن الإنسان يتعلم ويتغير مع كل تجربة جديدة.

كم هو جميل أن تجد لك أثرًا مكتوبًا يعود إلى سنوات بعيدة! أن تقرأ كلمات كتبتها قبل أن تتغير وسائل التواصل، وقبل أن يصبح النشر أسرع من التأمل، وقبل أن تتحول كثير من الكتابات إلى رسائل قصيرة تمر أمام أعيننا ثم تختفي وسط سيل لا ينتهي من المحتوى.

ما زلت أحنّ إلى تلك المساحة

تغير العالم الرقمي كثيرًا منذ بدأت التدوين. ظهرت منصات التواصل الاجتماعي، وتسارعت وتيرة النشر، وأصبح بإمكاننا الوصول إلى آلاف الأشخاص في لحظات. صارت الفكرة التي كانت تحتاج إلى تدوينة كاملة تُختصر أحيانًا في تغريدة، وأصبح النقاش الذي كان يمتد عبر التعليقات في المدونات ينتقل إلى مساحات ومنصات متعددة.

لكل مرحلة جمالها، ولكل وسيلة مزاياها، لكنني أجدني أحنّ إلى تلك المساحة التي تمنح الكاتب فرصة للتروي، وتتيح للفكرة أن تأخذ حقها من الشرح والتأمل. أحنّ إلى أن أبدأ الكتابة دون استعجال، وأن أنتقل من فكرة إلى أخرى، وأن أراجع ما كتبت لأنني أريد أن أصل إلى المعنى الذي أقصده، لا لأن الوقت يداهمني أو لأن عليّ أن أكون حاضرًا طوال الوقت.

أحنّ إلى التدوينة التي تنتهي حين تكتمل فكرتها، وإلى القارئ الذي يصل إليها لأنه يبحث عن موضوعها، لا لأنه صادفها في أثناء مروره السريع بين المنشورات. وأحنّ، قبل ذلك كله، إلى الشعور الذي يصاحب الكتابة حين تكون حديثًا صادقًا مع النفس، ثم مشاركة لهذا الحديث مع الآخرين.

ولعل أجمل ما في المدونات أنها لا تُلزمك بأن تكون خبيرًا في كل شيء، ولا بأن تمتلك رأيًا نهائيًا في كل قضية. يكفي أحيانًا أن تكون لديك تجربة تستحق أن تُروى، أو سؤال يستحق أن يُطرح، أو فكرة قد يجد فيها شخص آخر ما يفيده أو يلامس شيئًا من تجربته.

لماذا أعود إلى الكتابة؟

ربما لا أملك إجابة مكتملة عن هذا السؤال، لكنني أعرف أن الاشتياق إلى الكتابة لا يأتي من فراغ. هناك متعة خاصة في أن تمنح أفكارك وقتًا لتتضح، وأن تحوّل ما يمر بك من مواقف وتجارب إلى كلمات تبقى بعد أن ينتهي الموقف وتمضي الأيام.

وأعتقد أنني، بعد هذه السنوات الطويلة، أصبحت أكثر إدراكًا لقيمة الكتابة. لم تعد المسألة بالنسبة إليّ مجرد نشر مقال أو مشاركة معلومة؛ بل أصبحت وسيلة لتوثيق التجارب، وترتيب الأفكار، والتعبير عن المواقف، وترك أثر يمكن العودة إليه يومًا ما.

ولأنني قضيت سنوات طويلة في التعليم، فقد وجدت في الكتابة امتدادًا آخر لاهتماماتي المهنية والفكرية. فبعض الأفكار تحتاج إلى أكثر من شرح داخل قاعة الدرس، وبعض التجارب التربوية تستحق أن تُدوّن، وبعض القضايا التعليمية تحتاج إلى نقاش هادئ يتجاوز حدود الموقف العابر أو التعليق المختصر. وربما كان هذا أحد الأسباب التي جعلتني أحتفظ بهذه المدونة طوال تلك السنوات، حتى في الفترات التي ابتعدت فيها عن الكتابة.

لا أريد أن أحمّل عودتي اليوم وعودًا كبيرة، ولا أن أضع لنفسي جدولًا صارمًا للنشر. ربما أكتب غدًا، وربما تأخذني مشاغل الحياة مرة أخرى، لكنني أريد أن أستعيد علاقتي بالكتابة بهدوء، وبالطريقة التي أحببتها منذ البداية: كتابة بسيطة، صادقة، قريبة مني، تعبر عما أفكر فيه وأعيشه وأتعلمه.

فليس كل ما يستحق الكتابة حدثًا كبيرًا، وليست كل فكرة بحاجة إلى أن تكون جديدة تمامًا. أحيانًا تكفي لحظة تأمل، أو موقف عابر، أو سؤال ظل عالقًا في الذهن طويلًا، لتكون بداية تدوينة تستحق أن تُكتب.

إلى كل من مرّ من هنا

لا أعرف كم شخصًا ما زال يتذكر هذه المدونة، ولا كم من القراء الذين مروا على صفحاتها في سنواتها الأولى ما زالوا يتذكرون شيئًا مما قرؤوه هنا. ربما تغيّرت اهتمامات بعضهم، وربما انتقلوا إلى مساحات أخرى، وربما نسي كثيرون أصلًا أنهم زاروا هذه الصفحات يومًا.

لكنني أحب أن أتخيل أن بعض الكلمات التي كُتبت هنا وجدت طريقها إلى قارئ، أو أثارت فكرة، أو ساعدت شخصًا في فهم قضية، أو كانت سببًا في نقاش مفيد. فهذا وحده يمنح الكتابة معنى يتجاوز لحظة النشر، ويجعلني أشعر بأن السنوات التي قضيتها في التدوين لم تكن مجرد وقت مضى.

أما أنا، فما زلت هنا، أعود إلى هذه المساحة بعد سنوات طويلة، وفي داخلي ذلك الشعور القديم نفسه: أن هناك أشياء تستحق أن تُكتب.

أعود وفي ذاكرتي سبعة عشر عامًا وأكثر من الحكايات والأفكار والمواقف، وفي نفسي اشتياق إلى تلك البدايات البسيطة، حين كانت الكتابة فعلًا تلقائيًا، وكانت التدوينة مساحة شخصية نفتح بها نافذة على ما نفكر فيه ونشعر به.

ربما لم تعد المدونات في واجهة المشهد كما كانت، لكن شغفي بالكتابة لم ينتهِ. وربما لا تحتاج بعض الأشياء التي نحبها إلى بداية جديدة بقدر ما تحتاج إلى أن نعود إليها.

وها أنا أعود...

أعود إلى مدونتي، وإلى الكلمات التي أحببتها، وإلى مساحة أتمنى أن أجد فيها نفسي من جديد.

فهل ما زال للكتابة مكان في هذا العالم السريع؟

أعتقد ذلك. ما دام هناك من يملك فكرة يريد مشاركتها، ومن يجد متعة في القراءة والتأمل، فستظل الكتابة قادرة على أن تصنع لها مكانًا، ولو بعيدًا عن الضجيج.

وما زلت، رغم كل هذه السنوات، أشتاق إلى أن أكتب.

ف

فيصل الشهري

معلم رياضيات ومهتم بالشأن التربوي. أكتب هنا منذ 2009 عن التعليم والحياة.

تعليقات